بداية دعنا نتحدث عن العلاقات السعودية – الأوكرانية،، كيف تقرأون هذه العلاقات وما أهمية العلاقات بين البلدين و كيف يحرْص الجانبين على تعزيزها وتطويرها في شتى المجالات؟
تعود بداية العلاقات الأوكرانية السعودية إلى مطلع تسعينات القرن الماضي، حيث استعادت أوكرانيا بعد فترة طويلة استقلالها وبالتالي أضفت معنى جديداً لتعاونها مع أعضاء المجتمع الدولي بما في ذلك دول الشرق الأوسط. وبعد إقامة العلاقات الدبلوماسية بين كييف والرياض في عام 1994م لا يزال تاريخها يشهد تطورًا مستمرًا في كافة المجالات ذات الاهتمام المشترك وتدلّ على ذلك زيارات الوفود الرسمية وزيادة التبادل التجاري والحزمة من الاتفاقيات الثنائية الموقعة
وهناك تقدّم ملحوظ في تكثيف الاتصالات المباشرة بين البلدين على مدى السنوات الأخيرة ومن بينها زيارة فخامة الرئيس الأوكراني الأسبق / بيترو بوروشينكو إلى المملكة العربية السعودية في نوفمبر عام 2017م، حيث أجرى مباحثات مفصلة مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وكذلك تبادل زيارات وفود مجلس الشورى السعودي والمجلس الأعلى الأوكراني على مستوى مجموعات الصداقة البرلمانية وإقامة الدورتين والخامسة والسادسة للجنة الأوكرانية السعودية الحكومية المشتركة للتعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والتقني وآخرهما في مدينة كييف في نوفمبر عام 2018م
تُعتبر المملكة العربية السعودية، التي تلعب دورا رائدا في العالم العربي والإسلامي، من أهـّـــم شركاء أوكرانيا في المجالين التجاري والاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وتحتلّ المرتبة الثانية بين البلدان العربية من حيث حجم التبادل التجاري والخدماتي. وفي عام 2018م بلغ التبادل التجاري بين بلدينا ما يقارب مليار دولار أمريكي، حيث تكوّنت الصادرات الأوكرانية من الحبوب كالقمح والشعير والدهون والزيوت ذات الأصل الحيواني أو النباتي والمعادن الحديدية ومنتجاتها واللحوم والدواجن، وتكوّنت الواردات السعودية من اللدائن ومواد البوليمر والمركبات الكيميائية العضوية والمواد الكيميائية غير العضوية والمحروقات المعدنية
وتولي أوكرانيا اهتمامًا خاصًا بإمكانات التعاون مع المملكة العربية السعودية التي تنفتح في مجالات الطاقة (بما في ذلك قطاعات النفط والغاز والكهرباء والتعدين و الطاقة المتجددة) وهندسة الطائرات والهندسة الثقيلة والصناعات الدفاعية وإدارة المياه والنقل (الجوي والبحري والحضري) وغيرها، وكذلك تدعو المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين إلى خصخصة الشركات المملوكة للدولة في أوكرانيا. وفي هذا السياق تجدر الإشارة إلى توافر الفرص المربحة للتعاون والاستثمار سواء على مستوى القطاع الحكومي أو الخاص في مجالات واعدة مثل الزراعة وتكنولوجيا المعلومات والتصنيع وتنفيذ مشاريع البنية التحتية والسياحة
كيف تنظرون للقضايا الاقليمية والدولية.. في الفتره الراهنه؟؟؟
في البداية أودّ أن أعرب عن شكري وتقديري لموقف المملكة العربية السعودية، فيما يتعلق بدعم سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها الإقليمية مما دلّ على ذلك تصويت الوفد السعودي لصالح القرارات للأممية وبينها بشأن "السلامة الإقليمية لأوكرانيا" في مارس عام 2014م، الذي يتوافق مع المبادئ والقواعد الأساسية للقانون الدولي
كانت أوكرانيا واحدة من الدول المؤسّسة لمنظمة الأمم المتحدة ودائماً تتمسك بشكل صارم بالأهداف الأساسية لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وترمي جهودها إلى تعزيز السلام و الاستقرار والأمن على كافة الأصعدة (بما في ذلك عن طريق مشاركتها في قوات حفظ السلام الدولية في الدول العديدة) والتنمية الاقتصادية العالمية وحماية حقوق الإنسان، و أثناء عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي في عامي 2016-2017م اتخذت أوكرانيا موقفا بناء وعادلا وشفافا إزاء القضايا الدولية المختلفة ودعمت كافة المبادرات الهادفة إلى التسوية السلمية للنزاعات الجارية على أساس القانون الدولي والحوار الوطني
مع ذلك، تتابع أوكرانيا المستجدات الأخيرة على خريطة الأشرق الأوسط ومنطقة الخليج العربي، وقد أعربت وزارة الخارجية الأوكرانية عن قلقها العميق إزاء زيادة الهجمات التخريبية والإرهابية في أراضي المملكة العربية السعودية، والتي كان من آخر مظاهرها قصف مطار أبها الدولي في يونيو عام 2019م، وأدانت بشكل قاطع ارتكاب مثل هذه الأعمال التي تعرض حياة المدنيين في المملكة العربية السعودية للخطر وسلامة مواقعها المدنية والبنية التحتية الحيوية
كما انضمّت أوكرانيا في عام 1994م إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (عن طريق التنازل عن ثالث أكبر ترسانة للسلاح النووي في العالم وتوقيع مذكرة بودابست حول الضمانات الأمنية الدولية) وكذلك قامت بإزالة آثار كارثة محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية (وفي هذا الصدد نقدّر المساهمة المالية السعودية في إنجاح مشروع بناء الغلاف الجديد فوق مبنى المفاعل المدمَّر) ولذلك تتمتع بخبرة كبيرة ومعرفة جيدة في مجال الشأن النووي في كل جوانبه التكنولوجي والبيئي والاقتصادي والأمني والسياسي
ما هي أبرز الاتفاقيات الاستثمارية بين البلدين ؟؟؟؟
وقد وضع البلدان أطراً قانونية ضرورية لتفعيل التعاون في المجالات الاقتصادي والتجاري والاستثماري، وهناك الاتفاقيات ومذكـّـرات التفاهم الثنائية الموقعة حول التعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والتقني، وتشجيع وحماية الاستثمارات، وتجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب الضريبي فيما يتعلق بالضرائب على الدخل وعلى رأس المال، والتعاون بين غرفة التجارة والصناعة الأوكرانية ومجلس الغرف السعودية بشأن إنشاء مجلس الأعمال الأوكراني السعودي
وعلى سبيل المثال، في عام 2017م تم التوقيع على مذكرة التفاهم للتعاون الاستثماري في المجال الزراعي بين الحكومتين الأوكرانية والسعودية، وبعد عام أعلنت الشركة السعودية للاستثمار الزراعي والإنتاج الحيواني (سالك) عن قيام احدى شركاتها بالاستحواذ بالكامل على شركة (مريا أجرو) القابضة التي تُعدّ من أكبر الشركات الزراعية في أوكرانيا، مما يزيد الدور الأوكراني في توفير الأمن الغذائي للمملكة العربية السعودية
مع ذلك، هناك عدد من الاتفاقيات الثنائية الأخرى في مجالات المشاورات السياسية واستكشاف واستخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية وتبادل الأخبار والرياضة و تحقيقات حوادث الطيران المدني، كما يعمل الطرفان على إعداد مشروعات الاتفاقيات في مجالات الدفاع والنقل الجوي وكفاءة الطاقة والسياحة وغيره لتوقيعها في وقت لاحق
أصبحت اوكرانيا تعمل على التوسع في توفير البنية السياحية في ظل الزيادة الكبيرة في حجم السياحة. هل تعتبر اوكرانيا اليوم دوله سياحيه وما لذي يميزها عن غيرها من الدول السياحيه ؟؟؟
تشتهر أوكرانيا بطبيعتها الخلابة وثقافتها العريقة ومعالمها التاريخية والتراثية المتنوعة والمطاعم والمتاجر الحديثة والمنتجعات الصحية (وبينها في العاصمة مدينة كييف ومدينة لفيف الواقعة في منطقة الكارباتي الجبالية ومدينة أوديسا المطلة على البحر الأسود) مما يتيح للسياح السعوديين فرصاً فريدة للاستجمام والترفيه
وفي سياق تلك الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الأوكرانية حرصًا على تعزيز التبادل المعارفي والثقافي بين الشعبين، بإمكان مواطني الممكلة العربية السعودية استخراج التأشيرة الإلكترونية لدخول أراضي أوكرانيا وذلك في حالات الزيارة السياحية والزيارة التجارية وزيارة الأقارب / الأصدقاء وزيارة العلاج والمشاركة في الفعاليات الرياضية والثقافية والعلمية والتعليمية وممارسة النشاط الإعلامي. ومدة إصدار هذه التأشيرة الإلكترونية 9 أيام عمل والرسوم 85 دولارا أمريكيا وصلاحيتها سفرة واحدة لــ 30 يوماً. كما تم افتتاح مراكز التأشيرات الأوكرانية في مدينتي الرياض وجدة التي تقدّم الخدمات للراغبين في زيارة أوكرانيا والحصول على التأشيرة الصادرة عن السفارة (ويرجى الاطلاع على مزيد من المعلومات في موقع البعثة الدبلوماسية الأوكرانية في الرياض)
وهناك تحسن كبير ومستمرّ ي تطوير البنية التحتية السياحية (الفنادق والطرق والمطاعم) في أوكرانيا بعد استضافتها المشتركة مع بولندا لنهائيات كأس أوروبا لكرة القدم في عام 2012م، ومنذ هذه الفترة قد اكتسبت أوكرانيا خبرة جيدة في معاملة السياح الأجانب وتنظيم الجولات السياحية التعريفية على أساس فرد أو جماعي والدليل الواضح على ذلك إنجاح إقامة مسابقة الأغنبية الأوروبية لعام 2017م والمباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا لكرة القدم لعام 2018م في مدينة كييف
لو تحدثنا عن تطور العلاقات السعودية - الأوكرانية،كيف يمكن أن تعزز هذه الصداقه من خلال التبادل الثقافي والإعلامي بين البلدين الصديقين ؟؟
يسرني الإشارة إلى تفعيل التعاون الإنساني الثقافي بين بلدينا في الآونة الأخيرة ومن بين الملامح الرئيسية في هذا المجال توقيع برنامج التعاون بين الأكاديمية الدبلوماسية الأوكرانية ومعهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية في عام 2017م وإقامة ورشة العمل بينهما تحت عنوان "العلاقات الأوكرانية السعودية. القضايا الإقليمية" بمناسبة الذكرى الــ 25 للعلاقات الدبلوماسية في 2018م بمدينة كييف، وزيارة الوفد الطبي لوزارة الصحة للمملكة العربية السعودية إلى أوكرانيا من أجل الاطلاع على خبراتها ومعارفها في مجال إعادة التأهيل والعلاج الطبي في عام 2017م وكذلك الزيارات العديدة التي قام بها المدير العام للمركز الدولي الطبي لإعادة التأهيل بمدينة تروسكافيتس البروفيسور فولوديمير كوزيافكين إلى المملكة العربية السعودية ومشاركته في المعارض والمنتديات العلمية بما في ذلك المؤتمر الدولي الخامس للإعاقة والتأهيل المقام في الرياض في عام 2018م؛ وكذلك زيارة وفد الجمعية الجغرافية السعودية إلى أوكرانيا في إطار التواصل العلمي والثقافي في عام 2019م؛ وزيارة وفد مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللغة العربية إلى أوكرانيا في عام 2019م ومشاركته في فعاليات المسابقة الوطنية للغة العربية والاطلاع على أنشطة الجامعات الأوكرانية المتخصصة بتعليم اللغة العربية
كما تجدر بالذكر مشاركة السفارة الأوكرانية بالرياض في مهرجان الجنادرية الوطني للتراث والثقافة عن طريق جناحها الخاص بالثقافة والسياحة والاقتصاد لأوكرانيا و زيارة وفد المستشرقين الأوكران الذي ضمّ ممثلين عن معهد أهاتانهيل كريمسكي للدراسات الشرقية التابع لأكاديمية العلوم الأوكرانية وجامعة تاراس شيفتشينكو الوطنية بمدينة كييف إلى المملكة العربية السعودية بصفتهم ضيوف مهرجان الجنادرية الوطني للتراث والثقافة (بين مجموعة من المفكرين والأدباء الأجانب) في عام 2018م، وكذلك مشاركة الوفد الثقافي الأوكراني في فعاليات "عالم الرحالة (النوماد)" في إطار مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل عن طريق تقديم العروض الفلكلورية وتعريف زوّاره بفنّ التطريز (فيشيفانكا) ووالحرف اليدوية والتقاليد الأوكرانية الشعبية القديمة في عام 2019م
وفي عام 2016م قام الوفد الإعلامي السعودي بزيارة أوكرانيا بهدف الاطلاع على الآثار التاريخية والمعالم السياحية والفرص الاقتصادية في مدينتي كييف ولفيف
والمهم في هذا السياق هو تطلع أوكرانيا إلى انطلاق وسائل الإعلام الناطقة باللغة العربية، التي تزوّد الشارع العربي بالمعلومات المفصلة حول آخر التطوّرات وأهمّ المستجدّات في حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومن بينها المؤسّسة الحكومية "المنصّة المتعدّدة الوسائط للبثّ الدولي لأوكرانيا" (قناة "يو إي تي في") وبعض الوكالات الإعلامية والمواقع الإلكترونية والمجلات الخاصة
ماهي رؤيتكم لرؤيه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان حفظه الله ورؤيته 2030 وكيف ترون المملكه اليوم ؟؟؟
في الفترة الأخيرة حققت أوكرانيا نجاحاً ملموساً في مواصلة منهجها نحو التكامل الأوروبي: تمّ التوقيع على اتفاقية الشراكة بينها والاتحاد الأوروبي وإنشاء منطقة التجارة الحرة وإعفاء المواطنين الأوكرانيين عن التأشيرات عند دخولهم في البلدان الأوروبية كما تقوم أوكرانيا بالإصلاحات الواسعة النطاق في مجالات التعليم والصحة والقطاع التقاعدي ومكافحة الفساد وحماية حقوق المستثمرين وقطاع المشتريات الحكومية
ولذلك ندرك أهمية إجراء الإصلاحات الجذرية في كافة القطاعات التي تخدم للشعب الأوكراني وأجياله القادمة ونتابع بكل الاهتمام مثل هذه المسيرات الإصلاحية في الدول الأخرى وفي مقدمتها خطـّـة الرؤية – 2030 في المملكة العربية السعودية (والتي أنا محظوظ لمشاهدتها شخصيا عن كثب)
وبهذا الصدد يحظى تبادل الخبرات والمعرفة والمعلومات عن الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية بأهمية كبيرة، وبالطبع أوكرانيا التي تتمتع بالقاعدة الصناعية المتطورة والموارد البشرية والعلمية والتقنيات العالية جاهزة للتباحث مع الجانب السعودي في إمكانات التعاون الثنائي في إطار تنفيذ خطـّـة الرؤية – 2030